الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

266

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وغير ذلك ، وقد أشار إليها قوله : وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وفضل اللّه هو الرزق . الضرب الثالث : أعمال لمصالح الأمة وأشار إليها قوله : وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ودخل في ذلك حراسة الثغور والرباط بها ، وتدبير الجيوش ، وما يرجع إلى نشر دعوة الإسلام من إيفاد الوفود وبعث السفراء . وهذا كله من شؤون الأمة على الإجمال فيدخل في بعضها النبي صلى اللّه عليه وسلم كما في القتال في سبيل اللّه ، والمرض ففي الحديث : اشتكى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلم يقم ليلة أو ليلتين . وإذا كانت هذه الآية مما نزل بمكة ففيها بشارة بأن أمر المسلمين صائر إلى استقلال وقترة على أعدائهم فيقاتلون في سبيل اللّه وإن كانت مدنية فهو عذر لهم بما ابتدءوا فيه من السرايا والغزوات . وقد كان بعض الصحابة يتأول من هذه الآية فضيلة التجارة والسفر للتجر حيث سوى اللّه بين المجاهدين والمكتسبين المال الحلال ، يعني أن اللّه ما ذكر هذين السببين لنسخ تحديد القيام إلّا تنويها بهما لأن في غيرهما من الأعذار ما هو أشبه بالمرض ، ودقائق القرآن ولطائفه لا تنحصر . روي عن ابن مسعود أنه قال « أيما رجل جلب شيئا إلى مدينة من مدائن المسلمين محتسبا فباعه بسعر يومه كان له عند اللّه منزلة الشهداء ، وقرأ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . وعن ابن عمر : « ما خلق اللّه موتة بعد الموت في سبيل اللّه أحب إليّ من أن أموت بين شعبتي رحلي أبتغي من فضل اللّه ضاربا في الأرض » . فإذا كانت هذه الآية مما نزل بمكة ففيها بشارة بأن أمر المسلمين صائر إلى قترة على عدوهم وإن كانت مدنية فهي عذر لهم بما عرض لهم . ومعنى يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يسيرون في الأرض . وحقيقة الضرب : قرع جسم بجسم آخر ، وسمّي السير في الأرض ضربا في الأرض لتضمين فعل يَضْرِبُونَ معنى يسيرون فإن السير ضرب للأرض بالرجلين لكنه تنوسي منه معنى الضرب وأريد المشي فلذلك عدي بحرف فِي لأن الأرض ظرف للسير كما قال تعالى : فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ [ آل عمران : 137 ] وقد تقدم عند قوله تعالى :